حين أتأمل المجتمع في جمهورية صوماليلاند، لا أراه مجتمعًا تشكّل بفعل ظرف سياسي عابر، ولا نتيجة لحظة تاريخية واحدة، بل أراه حصيلة طبقات طويلة من التجارب التي صاغت طريقة تفكير كاملة.
فالمجتمعات لا تتكوّن بالحدود السياسية وحدها، بل يتشكّل جوهرها أولًا بالعقل الجمعي الذي تنحته الجغرافيا وأنماط العيش والتجارب التاريخية عبر القرون.
لقد نشأ المجتمع الصوماليلاندي في فضاء مفتوح على التبادل والتواصل مع العالم. وهذا الامتداد التاريخي كوَّن عقلية تميل إلى الواقعية العملية وإلى فهم المصالح والتوازنات. فالإنسان الذي يعيش في فضاء التبادل يتعلم بطبيعته أن يزن الأمور بميزان النتائج لا بميزان الشعارات، وأن يتعامل مع الآخر بثقة دون أن يفقد هويته.
لكن هذا البعد ليس سوى جزء من الصورة.
ففي العمق، يحمل المجتمع جذورًا بدوية عميقة. والبادية ليست مجرد أسلوب حياة، بل مدرسة كاملة في فهم الوجود. فالبيئة الرعوية تعلّم الإنسان الاعتماد على النفس، وتغرس فيه قيمة الحرية الشخصية، وتجعله شديد الحساسية تجاه الكرامة. ولهذا يميل الإنسان الصوماليلاندي بطبيعته إلى النقاش وإبداء الرأي ومساءلة السلطة، أكثر من ميله إلى الطاعة الصامتة.
ثم يأتي بعد آخر في تكوين هذه الشخصية، وهو الزراعة. فعلى الرغم من أن طبيعة المناخ تجعل الزراعة محدودة، فإن حضورها في حياة المجتمع أضاف بعدًا من الصبر والتخطيط. فالعمل في الأرض يعلّم الإنسان التفكير في المواسم والتعامل مع الزمن بوصفه شريكًا في الحياة.
وكذلك كان الصيد جزءًا من هذا التكوين؛ فالصيد يعلّم الإنسان الصبر، ودقة الملاحظة، والقدرة على قراءة الطبيعة. إنه يربي في الإنسان حسَّ التوازن بين الجرأة والحكمة، وبين الحركة والانتظار.
غير أن العنصر الأعمق في تشكيل العقل الصوماليلاندي هو الثقافة الشعرية.
فالمجتمع الصوماليلاندي مجتمع يمنح الكلمة مكانة عالية. لم يكن الشعر مجرد تعبير جمالي، بل كان وسيلة للتعبير عن الرأي، وسجلًا للتاريخ، وأداة للنقد الاجتماعي والسياسي. ومن هنا نشأت بيئة تقدّر البلاغة والحجة والبيان، وتمنح الكلمة وزنًا كبيرًا في تشكيل الرأي العام.
ثم جاءت التجربة السياسية الحديثة لتضيف طبقة أخرى من الوعي.
ففي السادس والعشرين من يونيو عام 1960 نالت جمهورية صوماليلاند استقلالها بعد انتهاء الحماية البريطانية، وأصبحت دولة مستقلة معترفًا بها آنذاك. وبعد أيام قليلة دخلت في ما سُمّي بالاتحاد مع الصومال الإيطالي، وهو اتحاد ما يزال إلى اليوم محل جدل قانوني وسياسي واسع، إذ لم يستند إلى وثيقة قانونية مكتملة تثبت قيامه على أساس دستوري واضح بين دولتين مستقلتين في ذلك الوقت.
لكن التجربة لم تتوقف عند حدود الجدل القانوني.
فالتاريخ السياسي ترك في الوعي الجمعي للمجتمع الصوماليلاندي آثارًا أعمق، خصوصًا ما ارتبط بفترات القمع الفكري والمجازر التي شكّلت ذاكرة قاسية لا تزال حاضرة في وجدان المجتمع. كما أن واقع عدم الاعتراف القانوني الدولي بجمهورية صوماليلاند خلق حالة طويلة من العزلة السياسية، جعلت المجتمع أكثر حساسية تجاه مسألة السيادة، وأكثر إدراكًا لأهمية الشرعية وبناء المؤسسات والاستقرار الداخلي.
إن المجتمعات التي تمر بتجارب قاسية من العنف السياسي إلى الإنكار الدولي لا تخرج منها كما دخلت؛ فهي تطوّر وعيًا أكثر حذرًا، وأكثر إدراكًا لمعنى الدولة، وأكثر تمسكًا بحماية الكرامة الجماعية.
وعندما ننظر إلى كل هذه الطبقات مجتمعة، يمكن فهم المجتمع الصوماليلاندي بوصفه نتاج توازن فريد بين عناصر متعددة:
ولهذا فإن فهم المجتمع الصوماليلاندي لا يكون بالنظر إلى السياسة وحدها، بل بفهم الإنسان نفسه؛ الإنسان الذي صاغته الجغرافيا، وصقلته التجارب، وعلّمته الحياة أن الكرامة ليست شعارًا، بل طريقة وجود.
⬅️ هذا المقال يعبّر عن رأي الكاتبة ولا يعكس بالضرورة موقف منصة هورندبلوماسي