الرئيسيةأخبار العالمصوماليلاند ومعركة السيادة: حين تتحول الدبلوماسية والإعلام إلى ساحة صراع مفتوحة

صوماليلاند ومعركة السيادة: حين تتحول الدبلوماسية والإعلام إلى ساحة صراع مفتوحة

بقلم: عبدالغني عيد

منذ إعلان استعادة سيادتها، لم تتعامل صوماليلاند مع الأمر بوصفه خطوة إدارية عابرة أو ردّ فعل سياسي مؤقت، بل باعتباره مشروع دولة متكامل يسعى إلى إعادة تعريف موقعها في الإقليم والعالم. مشروع يقوم على فك الارتباط مع تجربة اتحاد فاشلة، وبناء كيان سياسي مستقل يستند إلى مقومات واقعية: موقع جيوسياسي بالغ الحساسية، موارد طبيعية واعدة، ونموذج أمني وديمقراطي تشكّل بإمكانات ذاتية محدودة ولكن بإرادة سياسية واضحة.

ورغم شحّ الموارد والاعتراف الدولي، تبنّت هرجيسا مقاربة مختلفة في مخاطبة الخارج، قوامها تحويل عناصر القوة الكامنة إلى أوراق ضغط استراتيجية، والحديث بلغة المصالح لا العواطف، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاعتراف القانوني لا يُنتزع بالشعارات، بل بتقاطع المصالح الدولية.

مقديشو… قراءة قاصرة للواقع

في المقابل، لا تزال النخبة الحاكمة في مقديشو أسيرة مقاربة تقليدية تختزل قضية صوماليلاند في إطار “مظالم تاريخية” خلّفها النظام العسكري السابق. ويتجلى هذا الفهم القاصر في الخطاب السياسي للرئيس حسن شيخ محمود، الذي يكرر عروضًا تقوم على الاعتذار الرمزي، أو التعويضات المالية، أو إشراك أبناء صوماليلاند في السلطة المركزية.

غير أن هذا الطرح يتجاهل التحول الجذري الذي طرأ على القضية. فالسؤال لم يعد متعلقًا بتعويضات أو مناصب، بل بهوية سياسية ودولة قائمة بمؤسساتها، ونخبة ترى أن العودة إلى مقديشو تعني التراجع عن مسار سيادي تشكّل على مدى عقود. ومن هنا، تبدو هذه العروض بالنسبة لهرجيسا خارج السياق السياسي الراهن.

تسويق السيادة… من الخطاب إلى المصالح

تدرك القيادة السياسية في صوماليلاند أن معركة المستقبل لا تُخاض بالذاكرة وحدها، بل ببناء شبكة مصالح متداخلة مع الفاعلين الدوليين. لذلك، اتجهت السياسة الخارجية نحو ما يمكن تسميته بـ”تسويق السيادة”، أي إبراز القيمة الاستراتيجية التي يمكن أن تقدمها صوماليلاند للاقتصاد العالمي وللمنظومة الأمنية الدولية.

ويتجسد هذا التوجه في التركيز على جذب الاستثمارات المباشرة، خصوصًا في قطاعات الموانئ والطاقة والممرات البحرية. المنطق هنا واضح: الدول التي تستثمر على الأرض، ستتحول تلقائيًا إلى أطراف معنية بالدفاع عن الاستقرار والاعتراف، لأن المصالح الاقتصادية تولّد نفوذًا سياسيًا، وتخلق لوبيات ضغط يصعب تجاهلها.

حرب إقليمية ناعمة: الإعلام والدبلوماسية كسلاح

في خضم هذا المسار، تجد صوماليلاند نفسها في مواجهة ضغوط إقليمية متصاعدة تقودها دول مثل قطر ومصر، وبدعم تركي، تهدف إلى كبح طموحاتها السيادية. هذه الضغوط لا تأخذ طابع المواجهة المباشرة، بل تُدار عبر أدوات “القوة الناعمة”.

على المستوى الإعلامي، تُشن حملات منظمة لتصوير صوماليلاند كعامل تهديد لوحدة المنطقة، ولحصر خياراتها في العودة إلى “الحضن الصومالي” مقابل وعود اقتصادية هشة. أما دبلوماسيًا، فيجري توظيف المنابر الإقليمية، مثل الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، لتعطيل أي مسار قد يقود إلى اعتراف قانوني، انطلاقًا من مخاوف مرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوى في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

الدفاع الهجومي: تحصين المشروع السيادي

أمام هذا الواقع، تبدو هرجيسا مدركة أن سياسة الانكفاء لم تعد خيارًا، وأن الردّ الفعّال يكمن في تبنّي ما يمكن وصفه بـ”الدفاع الهجومي”. ويتحقق ذلك عبر مسارين متوازيين:

أولًا، تنويع الشراكات الدولية والانفتاح على قوى لا تخضع للابتزاز الإقليمي، بما يجعل أي محاولة لعزل صوماليلاند مكلفة سياسيًا.
ثانيًا، ترسيخ الواقعية الاقتصادية عبر تحويل الموانئ والممرات البحرية إلى فضاءات مصالح دولية مشتركة، بحيث يصبح استقرار واستقلال صوماليلاند جزءًا من معادلة الأمن العالمي.

خلاصة المشهد

تمر صوماليلاند اليوم بمرحلة مفصلية من تاريخها السياسي. ففي الوقت الذي تُختزل فيه أزمتها من قبل مقديشو في مسألة تعويضات واعتذارات، وتُواجه بحرب إعلامية ودبلوماسية إقليمية، تواصل هرجيسا بناء واقع جديد على الأرض. واقع يقوم على إدراك أن السيادة في النظام الدولي المعاصر لا تُمنح، بل تُنتزع عبر توازن المصالح.

في هذا السياق، تبدو صوماليلاند أكثر وعيًا بقواعد اللعبة: من يمتلك الموقع، والميناء، والقرار السيادي، هو من يفرض شروطه في النهاية، بعيدًا عن ضجيج الحملات الإعلامية وأوهام إعادة إنتاج مركزية سياسية لم يعد لها سند واقعي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات