بقلم: عبدالغني عيد
هرجيسا، 21 يونيو (هورن ديبلومات)
تعتبر قضية المياه الأمن الحقيقي والمحرك الأساسي لاستقرار المجتمعات، خاصة في منطقة القرن الإفريقي التي تواجه تحديات مناخية صعبة وجفافاً متكرراً. من هنا، يظهر بوضوح سبب الاهتمام البالغ الذي يوليه رئيس جمهورية صوماليلاند، السيد عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، لملف تطوير موارد المياه؛ فالأمر لم يعد مجرد تقديم خدمة عامة، بل أصبح مسألة بقاء وركيزة أساسية لبناء مستقبل اقتصادي واجتماعي مستدام للبلاد.
لعل نظرة سريعة على العاصمة هرجيسا تشرح حجم المشكلة وعمقها، حيث عانت المدينة طوال العقود الماضية من أزمة مياه خانقة نتيجة للنمو السكاني السريع وتدهور الشبكات القديمة. تشير البيانات المحلية إلى أن العاصمة، التي يقطنها اليوم أكثر من مليون نسمة، كانت تعتمد تاريخياً على حقل آبار “جيد ديَبلي” الذي لم يكن يغطي سوى جزءاً بسيطاً من الاحتياجات اليومية، مما جعل أحياء كاملة تعيش على صهاريج المياه التجارية المكلفة. ورغم المحاولات السابقة، شهدت المدينة تعثراً وتأخراً في تنفيذ “مشروع تحسين مياه هرجيسا” (HWI) لسنوات بسبب مشاكل فنية وإدارية في مد الأنابيب وتحديث محطات الضخ والتوزيع، وهو ما أثار إحباطاً شعبياً كبيراً. ومع ذلك، تستمر الجهود الحالية المدعومة من جهات دولية مثل الاتحاد الأوروبي وصندوق التنمية الأفريقي لاستكمال توسعة حقول الآبار وتحديث شبكات التوزيع للوصول إلى ضخ مستدام ينهي هذه المعاناة الحقيقية.
أمام هذا الواقع الصعب، تتجلى رؤية الرئاسة بشكل عملي في الخطوة الاستراتيجية المتمثلة في إرسال بعثات من المهندسين المحليين لتلقي تدريبات تخصصية متقدمة في الخارج. وقد أثمرت هذه الجهود عن إرسال دفعتين من الكفاءات الوطنية إلى إسرائيل للاستفادة من تجاربها الرائدة عالمياً في هذا المجال؛ حيث نجحت إسرائيل تاريخياً في تحويل طبيعتها الصحراوية الشحيحة إلى فائض مائي بفضل ريادتها في تقنيات تحلية مياه البحر بنسبة تتجاوز 80% من مياه الشرب البلدية، وإعادة تدوير حوالي 90% من مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة، وهي تجربة ساعدت بها دولاً عديدة حول العالم لتجاوز الفقر المائي. وخلال زيارته التاريخية، التقى الرئيس عيرو بالدفعة الثانية هناك، والتي تضم 25 مهندساً من أبناء صوماليلاند يدرسون أحدث تقنيات الإدارة، الحصاد، وفنون تخزين المياه وحلول الجفاف.
وفي تعليق مباشر للرئيس يوضح مدى مراهنته على العنصر البشري، قال: “إن دنينا وبناء المعرفة وتطوير مهارات خبرائنا هو العمود الفقري والشرط الأساسي لتحقيق التنمية المستدامة، والمهندسون الذين يتلقون التدريب اليوم سيكونون جزءاً أساسياً من مجهوداتنا لتحديث خدمات المياه وتطوير البنية التحتية في البلاد”. هذا التصريح يعكس إدراكاً عميقاً بأن استيراد المعدات والتكنولوجيا لا يكفي وحده، بل يجب أن تصاحبه سواعد وطنية قادرة على إدارة وتشغيل هذه المنظومات المعقدة على المدى الطويل لتغيير الواقع المائي على الأرض.




