الرئيسيةأخبار العالملغة السلاح في مقديشو.. كيف تفرض الحسابات السياسية الدورية منطق القوة الميدانية؟

لغة السلاح في مقديشو.. كيف تفرض الحسابات السياسية الدورية منطق القوة الميدانية؟

خاص — هورن ديبلومات

بقلم: عبد الغني عيد

عاشت العاصمة الصومالية مقديشو ليلة قاسية وطويلة جداً، بعد أن عادت أصوات الرصاص والقذائف لتملأ الأجواء مسببة حالة من الخوف والقلق بين الناس. ما حدث لم يكن مجرد مشكلة عابرة، بل هو مواجهة ميدانية عنيفة بين القوات الحكومية التابعة للإدارة المنتهية ولايتها، ووحدات عسكرية تابعة للمعارضة، وهو ما يوضح كيف يمكن للسياسة أن تتحول فجأة إلى صراع مسلح في شوارع المدينة. والمواجهات لم تشمل مقديشو كلها، بل تركزت في أربعة أماكن وشوارع حيوية ومحددة وهي محيط تقاطع “دبكا” الاستراتيجي، وامتداد منطقة “السيّد” القريبة من الطرق المؤدية للقصر الرئاسي، ومربع “سيغالي” التجاري والسكني، بالإضافة إلى أطراف مديرية “وابري”. المعارك اشتدت خلال الليل بعد أن قامت قوات المعارضة باستعراض عسكري (Dhoolla-tus)، وظهر مقاتلوها وهم يحملون أسلحة ثقيلة وقاذفات متطورة في هذه الشوارع، مما أدى لشلل كامل في الحركة واضطرار العديد من العائلات البسيطة للهروب من منازلهم خوفاً على حياة أطفالهم.

الحكومة منتهية الصلاحية وعقدة غياب الشرعية الدستورية

إذا نظرنا إلى الخلف قليلاً، سنكتشف أن مقديشو تعاني من هذه الحرب بدقة غريبة كل أربعة أعوام مع نهاية كل دورة رئاسية. والمحللون يتفقون اليوم على أن الحكومة المنتهية صلاحيتها الدستورية هي المسؤول الأول والمباشر عن هذا العنف، وذلك بسبب التمسك بالكرسي خارج القانون؛ حيث تنتهي المدة القانونية للحكومة وبدلاً من الترتيب لانتقال سلمي وسلس للسلطة، تحاول الإدارة البقاء في الحكم والتمديد لنفسها دون توافق مع بقية الأطراف، هذا الانسداد السياسي يفرز فراغاً في الشرعية، ويجعل المعارضة تشعر بأن القوة هي الحل الوحيد لإيقاف هذا التمديد. يضاف إلى ذلك استخدام سلاح الدولة ضد الخصوم، فبدلاً من توجيه الجيش والأجهزة الأمنية لحماية البلاد ومحاربة حركة الشباب، تُتهم الحكومة باستخدام هذه القوات المجهّزة بتمويل دولي لمحاصرة اجتماعات المعارضة وشيوخ القبائل، مما يحوّل الجيش من مؤسسة وطنية إلى طرف في النزاع السياسي، ولأن الجيش لم يُبنَ على عقيدة وطنية موحدة بل على توازنات عشائرية، فإنه بمجرد أن يبدأ الخلاف السياسي تنقسم القوات الأمنية في الشوارع وتتحول التقاطعات الأربعة إلى خطوط تماس يدفع ثمنها المواطن العادي.

تحذيرات دولية صارمة والبحث عن مخرج للأزمة

هذا الوضع الخطير جعل المجتمع الدولي يتحرك بسرعة البرق لمنع انهيار البلد؛ حيث عبرت الأمم المتحدة عن قلقها الشديد من سقوط ضحايا بين المدنيين الأبرياء، وتدمير البيوت والمحلات، ودعت الجميع فوراً إلى التهدئة والعودة لطاولة الحوار. ومن جانبها، أصدرت السفارة الأمريكية في مقديشو بياناً حاداً جداً وصفت فيه ما جرى بـ “التهور غير المسؤول”، وحذرت قادة الصومال من أن التصرفات في الأيام القادمة ستحدد مستقبل البلد، ملمحة إلى عقوبات صارمة على من يعرقل السلام، كما طالبت السفارة البريطانية بوقف فوري لإطلاق النار دون شروط، وذكرت الجميع بأن الأسلحة الثقيلة يجب أن تُوجَّه لمحاربة الإرهاب وليس لقتال الأخوة الأعداء في شوارع العاصمة. وتثبت الأحداث في النهاية أن غياب الشرعية الدستورية عن السلطة، وتحولها إلى طرف يقاتل للبقاء في الحكم، هو المحرك الأساسي لهذه المعارك الدورية، والتاريخ يعلمنا أن الحل الوحيد لإنقاذ مقديشو من “عقدة السنوات الأربع” هو إبعاد السلاح عن السياسة، والاتفاق على تسليم السلطة بسلام واحترام القانون.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات