بقلم عبد الولي شيخ صوفي، وزير الاتصالات السابق في جمهورية صوماليلاند.
قراءة تحليلية في برنامج: “للقصة بقية | الصراع على القرن الإفريقي”.
بثّت قناة الجزيرة (القسم العربي) حلقة “للقصة بقية | الصراع على القرن الإفريقي” في 27 يناير 2026، مدتها قرابة خمسين دقيقة، قدّمت القناة البرنامج أنه تحقيق استقصائي يشرح الصراع والتنافس في المنطقة. لكن عند التدقيق العميق في طريقة الإعداد البرنامج يمكن الملاحظة بسهولة أن “الاستقصاء” هنا لم يُستخدم لكشف الحقيقة بقدر ما استُخدم لبناء سردية معينة عبر انتقاء الضيوف، واختيار المفردات والمصطلحات، وتقديم محاور بعينها، بطريقة تقود المشاهد إلى نتيجة حتمية حول قضية صوماليلاند.
الملاحظة الأولى هي اختلال الميزان في البرنامج: تم منح حيزًا واسعًا لحكومة مقديشو باستضافة ثلاثة وزراء حيث حصلوا على وقت يقارب 34 دقيق بينهم مقابلة طويلة مع وزير الخارجية استحوذت جزء كبير من زمن الحلقة، بينما لم يظهر أي مسؤول من حكومة صوماليلاند في البرنامج لعرض الموقف الرسمي. وبدلًا من ذلك، تم استضافة خبيرين مستقلين حصلا على أقل من 4 دقائق. وفي قضايا مصيرية كهذه، لا يكفي استضافة خبراء بوقت محدود ثم الادعاء بأن الصورة مكتملة من كلا الجانبين. غياب الطرف المعني رسميًا ليس سهوًا تحريرياً؛ بل هو قرار ينعكس مباشرة على الاتجاهات السياسية للقناة.
الملاحظة الثانية تتعلق بـ تأطير صوماليلاند كوكيل لقوى خارجية. الحلقة أوحت بشكل مباشر أو ضمني أن علاقات صوماليلاند جزء من لعبة إقليمية أكبر، وأنها تتحرك وفق أجندات للآخرين. هذا التأطير يختزل القضية إلى “صفقة سياسية”، ويتجاهل حقيقة ثابتة: جمهورية صوماليلاند ليست ظاهرة جديدة، بل تجربة سياسية قائمة منذ أكثر من ثلاثة عقود، تمتلك مؤسسات حكم فعالة، ومسارًا ديموقراطياً ناضجا، ونموذجًا أمنيًا أكثر استقرارًا من بيئتها المحيطة. وتحويل هذا الواقع إلى مجرد “أداة” يخدم الإثارة الإعلامية ويظلم حق مصير شعب كامل.
الملاحظة الثالثة هي اللغة المحمّلة: تكرار وصف صوماليلاند بأنها “إقليم”، أو استخدام مفردات مثل “انفصالي”، ليس توصيفًا مهنيا. هذه المصطلحات تصنع إطارًا ذهنيًا مسبقًا لدى الجمهور: صوماليلاند جزء من دولة أخرى وبالتالي أي مطالبة سياسية تصبح خروجًا عن الشرعية. الإعلام المهني لا يفرض القاموس السياسي على القضايا، بل يشرح الخلاف ويعرض وجهات النظر المختلفة ويترك مساحة للمشاهد.
الملاحظة الرابعة وهي أكثر حساسية: توزيع الأدوار أخلاقيًا. فقد ظهر الصومال في الحلقة بوصفه صاحب الشرعية المتضرر، بينما قُدمت صوماليلاند كطرف ينتقص من حق الآخرين أو يهدد الاستقرار. وهنا ينتقل البرنامج من عرض الوقائع إلى إصدار حكم على قضية سياسية معقدة.
الملاحظة الخامسة وهي الإشكال الأكبر في الحلقة: الإغفال الانتقائي للحقائق، الحلقة لم تمنح المشاهد ما يكفي من الخلفية التاريخية اللازمة لفهم أصل القضية: الوحدة 1960 بين صوماليلاند والصومال الجنوب، والانتهاكات التي تعرضت لها مناطق صوماليلاند في عهد النظام سياد بري، ومسار استعادة الاستقلال عام 1991، وبناء مؤسسات الحكم، والتجربة الانتخابية والتعددية السياسية، والاستقرار الداخلي. حيث تم تهميش هذه الخلفيات في الحلقة لكي يصبح من السهل تصوير صوماليلاند على حالة “تمرد سياسي” طارئ بدل النظر إليها كواقع سياسي قائم له أسبابه وجذوره التاريخية.
ولا يمكن تجاهل استخدام ملفات شديدة الحساسية ضمن السرد، حيث قام معد والبرنامج بالتركيز الانتقائي على قضايا عالية الحساسية من أبرز ما جرى تضخيمه تحريريًا ملف العلاقات الأمنية إلى جانب مزاعم مرتبطة بـتهجير سكان غزة. ورغم وجود نفي متكرر من جانب صوماليلاند لهذه المزاعم، ووجود تصريحات من مسؤولين إسرائيليين—بحسب ما ورد في مقابلات وتغطيات منشورة—تفيد بأن هذا الملف ليس من ضمن الاتفاقيات والترتيبات بين البلدين، إدخال هذه الملفات بهذه الطريقة يخلق أثرًا نفسيًا قويًا على الجمهور، ويحوّل النقاش من السياسة إلى الشبهة وهي واحدة من أقدم أدوات التشويه الناعم في الإعلام.
الخلاصة أن الحلقة برغم شكلها التلفزيوني الجذاب تبدو أقرب إلى بناء سردية منها إلى تحقيق استقصائي يتعامل مع كل الأطراف بالإنصاف. فحين يغيب التوازن في الضيوف، ويُختار قاموس سياسي محدد، وتُحذف خلفيات تاريخية محورية، وتُضخّم ملفات حساسة، يصبح المنتج النهائي موجّهًا، حتى لو بدا “مهنيًا” في الظاهر.
هدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على ملامح الحملة الإعلامية التي تتعرض لها صوماليلاند في تغطية قناة الجزيرة، وشرح أبرز الأساليب التحريرية التي تُستخدم لتوجيه الانطباع العام، رغم أن الخطاب المعلن للقناة يقدّم نفسها بوصفها منصة محايدة.
كما أن هذا النمط لا يقتصر على الجزيرة وحدها؛ إذ تتبعه أحيانًا وسائل إعلام أخرى. لذلك تبرز أهمية أن يتحلّى كل فرد من أبناء صوماليلاند بالوعي الإعلامي، وأن يقرأ ما يُنشر بقدرٍ أعلى من التدقيق، حمايةً لصورة البلد وقضيته الأساسية.